ابن كثير

310

البداية والنهاية

وشديد بطشي ، وعلو مكاني وعظمة شأني ، فلا شئ مثلي ، ولا إله غيري ، وليس ينبغي لشئ خلقته أن يعدل بي ولا ينكرني ، وكيف ينكرني من خلقته يوم خلقته على معرفتي ؟ أم كيف يكابرني من قهر قهره ملكي ؟ أم كيف يعجزني من ناصيته بيدي ؟ أم كيف يعدل بي من أعمره وأسقم جسمه وأنقص عقله وأتو في نفسه وأخلقه وأهرمه فلا يمتنع مني ؟ أم كيف يستنكف عن عبادتي عبدي وابن عبدي وابن أمتي ، ومن لا ينسب إلى خالق ولا وارث غيري ؟ أم كيف يعبد دوني من تخلقه الأيام ، ويفني أجله اختلاف الليل والنهار ؟ وهما شعبة يسيرة من سلطاني ؟ فإلي إلي يا أهل الموت والفناء ، لا إلى غيري ، فإني كتبت الرحمة علي نفسي وقضيت العفو والمغفرة لمن استغفرني ، أغفر الذنوب جميعا ، صغيرها وكبيرها لمن استغفرني ، ولا يكبر ذلك علي ولا يتعاظمني ، فلا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ولا تقنطوا من رحمتي ، فإن رحمتي سبقت غضبي ، وخزائن الخير كلها بيدي ، ولم أخلق شيئا مما خلقت لحاجة كانت مني إليه ، ولكن لابين به قدرتي ، ولينظر الناظرون في ملكي ، ويتدبروا حكمتي ، وليسبحوا بحمدي ويعبدوني لا يشركوا بي شيئا ، ولتعنو ( 1 ) الوجوه كلها إلي . وقال أشرس عن وهب قال : قال داود : إلهي أين أجدك ؟ قال عند المنكسرة قلوبهم من مخافتي . وقال كان رجل من بني إسرائيل صام سبعين أسبوعا يفطر في كل يوما وهو يسأل الله أن يريه كيف يغوي الشيطان الناس ، فلما أن طال ذلك عليه ولم يجب ، قال في نفسه : لو أقبلت على خطيئتي وعلى ذنوبي وما بيني وبين ربي لكان خيرا من هذا الامر الذي أطلب ، ثم أقبل على نفسه فقال : يا نفس من قبلك أتيت ، لو علم الله فيك خيرا لقضى حاجتك . فأرسل الله ملكا إلى نبيهم : أن قل لفلان العابد : إزراؤك على نفسك وكلامك الذي تكلمت به ، أعجب إلي مما مضى من عبادتك ، وقد أجاب الله سؤالك ، وفتح بصرك فانظر الآن ، فنظر فإذا أحبولة لابا قد أحاطت بالأرض ، وإذا ليس أحد من بني آدم إلا وحوله شياطين مثل الذباب ، فقال : إي رب . ومن ينجو من هؤلاء ؟ قال صاحب القلب الوادع اللين . وقال وهب : كان رجل من السائحين فأتى على أرض فيها قثاء فدعته نفسه إلى أخذ شئ منه ، فعاقبها فقام مكانه يصلي ثلاثة أيام ، فمر به رجل وقد لوحته الشمس والريح ، فلما نظر إليه قال : سبحان الله ! ! لكأنما أحرق هذا الانسان بالنار ، فقال السائح : هكذا بلغ مني ما ترى خوف النار ، فكيف بي لو قد دخلتها ؟ ! وقال : كان رجل من الأولين أصاب ذنبا فقال : لله علي أن لا يظلني سقف بيت أبدا حتى تأتيني براءة من النار ، فكان بالصحراء في الحر والقر ، فمر به رجل فرأى شدة حاله فقال : يا عبد الله ما بلغ بك ما أرى ؟ فقال : بلغ ما ترى ذكر جهنم ، فكيف بي إذا أنا وقعت فيها ! ؟ . وقال : لا

--> ( 1 ) ولتعنو : أي لتخضع .